تٌعتقل فتعذب وتفقد النطق ثم تطارد فتسافر فتموت بعيدا عن أهلك.. "الشاطر نموذجا"


فرض الواقع نفسه على الشباب المصري عقب أحداث 3 يوليو، فالغالبية العظمى إن لم تكن في السجون، فمهددة بالاعتقال أو اضطرتها الظروف إلى الهجرة والعيش في الغربة.. ثم لا تعرف ما الذي قد يحدث، فقد تموت بعيدا عن الوطن.. قسة ترويها لنا حياة الشاب أحمد محمد الشاطر..

فرض الواقع نفسه على الشباب المصري عقب أحداث 3 يوليو، فالغالبية العظمى إن لم تكن في السجون، فمهددة بالاعتقال أو اضطرتها الظروف إلى الهجرة والعيش في الغربة.. ثم لا تعرف ما الذي قد يحدث، فقد تموت بعيدا عن الوطن.. قسة ترويها لنا حياة الشاب أحمد محمد الشاطر..

السياسة والاقتصاد، والسلطة، كلها أمور تافهة إذا ما قورنت بشباب فقد عمره مغتربا عن وطنه، وأهله، بسبب هجرته من البطش الذي قد يصيبه .. في مصر أصبح الشباب المصري يعاني من حالة الاستقطاب التي فرضها النظام المصري، عقب أحداث 3 يوليو، وعزل الدكتور محمد مرسي من الحكم.

وفقا للتقارير الإحصائية، فإن أكثر من 40 ألف معتقل يقبعون داخل السجون، معظمهم من الشباب، وأن عددا آخر مثله مطاردا داخل البلاد، وخارجها، ومعرض للاعتقال في أي وقت، بسبب معارضته للنظام، أو انتمائه لكيانات معارضة للرئيس.

أحمد الشاطر نموذجا

في العشرينات من عمره، شاب من الزقازيق بمحافظة الشرقية، وتحديدا قرية "بني شبل"، درس في كلية الحقوق بجامعة عين شمس، ثم وجد نفسه، ضمن آلاف الشباب المختلفين سياسيا مع النظام، بعد أحداث 3 يوليو 2013، في العام ذاته أو في أوائل عام 2014، انضم "الشاطر" لتظاهرة في ميدان التحرير لحركة "شباب ضد الانقلاب"..

وقت الفاعلية قد حان، ولم يبدأ أحد بالهتاف بعد، بيد أن المتظاهرين متواجدون، وقوات الأمن متواجدة أيضا، وكلا الطرفان في انتظار لحظة البداية .. بدأ أحمد الشاطر في ذلك اليوم بالهتاف ضد النظام، وقبل أن يتجمع الشباب حوله، تجمعت قوات الأمن.. وقبل أن يحمله المتظاهرون مرددين خلفه، أوسعته قوات الأمن ضربًا، وأودعته داخل السجن، وهناك تلقى أنواعا من التعذيب جعلته يفقد النطق جزئيا..

بعد أيام أُخلي سبيل الشاب، الذي ظهر متأثرا نفسيا مما حدث له .. أصدقاؤه يقولون "ليس أحمد الشاطر من يتعرض للتعذيب" حيث وصفوه بالشاب المهذب طيب القلب العاطفي، الذي لا تجد في نفس أحد له أي ضغينة من أي نوع، ولا تجد في نفسه أي ضغينة لأحد.

بعد إخلاء سبيله ظل الشاطر مطاردا في مصر، بعد تلفيق عدد من التهم الأخرى للشاب، فقرر في منتصف عام 2015، أن يسافر إلى دولة أخرى، خارج الوطن، يستطيع أن يعيش فيها آمنا بعيدا عن ملاحقات الأمن، ومطارداته في مصر، يحكي أحد أصدقائه، أن أحمد الشاطر فكر في العودة مجددا إلى مصر، بعد سفره بعدة شهور، إلا أن المقربين منه منعوه من العودة، ونصحوه بالبقاء.. تزوج "الشاطر" في غربته، بدون أحد من أسرته، التي لم تستطع أن تشاركه فرحه في الغربة ..

أمس تُوفي أحمد الشاطر، الشاب المصري في حادث سير بمدينة السعودية بعد أدائه للعمرة، توفي غريبا عن وطنه، وبعيدا عن أهله وأحبائه، ليُدفن أيضا في أرض غير أرضه، ويترك قصة شاب خدوم لأصدقائه، ونافعًا لغيره، لا يكل ولا يمل من خدمة الناس، ما جعل حالة الحزن عليه جماعية، ورثاء أصدقائه على مواقع التواصل الاجتماعي لا تتوقف ..

يقول "أحمد" أحد أصدقاء الشاطر لـ "شؤون مصرية": "كان رجلًا، سابقًا لسنه، كريما، وشجاعًا، وخدومًا، مشهود له بالسعي وراء حاجات الناس، وحل مشاكلهم، رغم صغر سنه، كان دائما ما يسأل عن أصدقائه، وأصدقاء أصدقائه، ويتابع أحوالهم، ويطمئن عليهم، وفي الغربة، كان أول المستقبلين للوافدين الجدد إليه، يستقبلهم، ويحل مشاكلهم، ويتابعهم، ويطمئن عليهم باستمرار".

ويقول الصحفي "عمرو سلامة" : "أحمد الشاطرلم يتخل عني هذا الشاب أبدا عند مجيئي إلى قطر استقبلني في أول يوم نزلت فيه من المطار .. ظل بجواري والسؤال عني .. شاركني في كل أحزاني وأفراحي في الدوحة ، لم يتأخر أبدا عن مساعدة أي شخص في قطر يطلب المساعدة".

 

الشاطر الذي كتب على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" يوما: "سأضرب في طول البلاد وعرضها ... أنال مرادي أو أموت غريبـا".. مات غريبًا بالفعل، ليجسد قصة مريرة لشباب آخرين واجهوا الغربة مضطرين ..

تُوفي الشاطر، وآخر ما كتبه على حسابه يوم 25 يناير "حسبنا الله ونعم الوكيل".. ليُصلى عليه في السعودية، ويدفن في أراضيها، بينما يعلن أصدقاؤه عن صلاة الغائب في قطر، ومصر.